عبد الكريم الخطيب

880

التفسير القرآنى للقرآن

وهما - أي النور والظلام - يتقاومان ، ويتغالبان ، إلى أن يغلب النور الظلام ، والخير الشرّ ، ثم يتخلص الخير إلى عالمه . . والبارئ تعالى هو الذي مزجهما وخلطهما لحكمة رآها في التركيب . . ويرى « زرادشت » أن النور هو الأصل ، وأن وجوده وجود حقيقي ، وأمّا الظلمة فتبع له . . كالظل بالنسبة إلى الشخص . . ولما كان الباري يرى أنه موجود ، وليس بموجود ، فقد أبدع النور ، وحصل الظلام تبعا . . لأن من ضرورة الوجود التضادّ » « 1 » . ونلاحظ هنا أن هذا الرأي يقارب كثيرا ما تقول به التوراة في سفر التكوين . . فما تحدّث به التوراة يكاد يكون نقلا حرفيّا له ! كما يلاحظ أيضا أن قول « زرادشت » بأن الخير والشرّ ، والصلاح والفساد ، والطهارة والخبث ، إنما حدثت من امتزاج النور والظلمة - يلاحظ أن هذا القول يتفق مع أحدث النظريات الفلسفية والأخلاقية التي تقول ، بأن الخير والشر لا يوجدان خالصين . . فالخير ممتزج بالشر ، والشرّ معه الخير . . « فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً » . . الخير والشر في معابير الفلسفة الحديثة : ولا بد لنا من نظرة إلى عصرنا هذا ، وإلى نظرته إلى الخير والشر ، عند العلماء ، والفلاسفة ، ورجال الدّين والأخلاق . . فلقد عنيت الفلسفة الحديثة بالسلوك الإنسانى ، وجعلت الإنسان موضوعا بارزا من موضوعات الدراسة والنظر في منهجها . كان ما وراء الطبيعة في الفلسفة القديمة ، هو كل ما يشغل الفلاسفة ، ويسيطر على تفكيرهم . . فجاءت نظرياتهم تخطيطا لصور من المثاليات القائمة على

--> ( 1 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني . . ج 2 ص 69 وما بعدها .